تلوث أنهار العراق

 

altحسن الجنابي
في الثامن عشر من كانون الثاني الماضي ناقش البرلمان العراقي ظاهرة "تلوث انهار العراق وخاصة نهر الفرات"، وقد عرضت الفضائية "العراقية" مداخلات النواب في سياق النقاش المذكور. ان تناول المشكلة في البرلمان يعد بحد ذاته تطورا في عمل البرلمان وتوسيعا في اهتمامه أيضا بمشاكل العراق البيئية. فظاهرة التلوث منتشرة في العراق بشكل مخيف منذ الحرب الاولي مع ايران، والسعي الي امتلاك وتصنيع الاسلحة وما رافق ذلك من "تنمية انفجارية" وتوسع هائل في الصناعات البتروكيماوية، وما تبعها من حروب تدميرية، الي جانب احتكار المعلومات وسريتها قبل العام 2003 مما لم يتح للعراقيين معرفة المديات الحقيقية لظاهرة التلوث.

التلوث صفة ملازمة للحضارة الحديثة
ان التلوث، هو التغيير الحاصل بخصائص مكونات الطبيعة الاساسية، كالماء والهواء والتربة وغيرها نتيجة الاقحام القسري والمباغت أو المكثف أو المتراكم خلال فترة زمنية لعناصر معينة تؤدي بدورها الي تغيير في مكونات البيئة الطبيعية لتلك الموارد مما يؤدي الي عجز البيئة عن استيعاب المتغيرات الجديدة وهضمها وبالتالي يخلّ بتوازناتها المعتادة لفترة من الزمن تزيد او تنقص حسب شدة الحالة.
للبيئة قدرة هائلة علي هضم أو تمثيل المتغيرات، ولكن مهما عظمت تلك القدرة فانها تبقي محدودة وهي تخضع لحركية داخلية معينة تختلف طبيعتها في السوائل عنها في الهواء أو علي سطح الأرض أو في باطنها. ومما يجدر بالذكر ان هناك تلوثا "طبيعيا" يحدث خارج السيطرة لأسباب شكلية أو جيولوجية أو مناخية، كما يحصل عند وقوع الانفجارات البركانية أو الهزات الأرضية أو الفيضانات الكبري علي سبيل المثال. وهناك أيضا التلوث الذي يحصل جراء الأنشطة البشرية وقد يتعاظم تأثيره، وتعددت أسبابه مع تعاظم قدرة الانسان علي تحوير أو تحطيم عناصر البيئة باستخدام التكنولوجيا الحديثة لأغراض مختلفة، ولاسيما تكنولوجيا الحرب والفتك والتدمير وغيرها من الصناعات التحويلية والكيماوية الأخري. ويصح تسمية ذلك بـ "بالتلويث" لأنه نابع عن انشطة مبرمجة ومخطط لها، حتي وان كان التلوث قد نتج عنها لأسباب عرضية. لقد دخل مفهوم التلوث مجال الاهتمام والتداول اليومي خلال فترة حديثة نسبيا، لأنه جاء كنتيجة مباشرة للثورة الصناعية التي سمحت للبشرية بانتاج ثروات هائلة وفضلات ونفايات، غاية في الخطورة والضرر، بعضها سام، وبعضها الآخر يصبح كذلك كلما تراكم مع الزمن، ومنها مايتفكك ويتفسخ أو يضمحل مع الوقت، ومنها مالا يضمحل علي مدي ملايين السنين، وبالتالي لا يمكن القضاء علي مؤثراته، كالمخلفات المشعة وفضلات اليورانيوم المعالج وما شابه، مما يدفن في أعماق الأرض، أو يحرق في محارق عالية التخصص.
ولكن الأهم من ذلك هو أن الوعي الانساني بحجم التدمير ومستويات التلوث التي حصلت، جاء متأخرا ايضا. فمنذ عدة عقود فقط أفاقت البشرية علي هول ما حدث من تلوث وآخرها ظاهرة الأحتباس الحراري.
وعلي ذلك فان التلوث صفة ملازمة للحضارة الحديثة، وما أفرزته من تصنيع وانتاج غزير، حتي أن المدن الثرية تعرف من حجم نفاياتها، بسبب مستوي الاستهلاك المرتفع فيها.
ومن المفيد توضيح أن التلوث يصنّف، حسب مصدره، الي صنفين: أحدهما التلوث الموضعي، وهو التلوث الذي يمكن معرفة المصدر الذي يتأتي منه، كأن تكون مكان قذف الفضلات الصناعية، او مياه المجاري العادمة، او مياه المبازل، أو مكان دفن النفايات، ويسمي هذا الصنف من التلوث باللغة الانكليزية (Point Source). أما الصنف الثاني فهو التلوث المنتشر حيث تتسع مساحة المصدر الي درجة لايمكن معها تحديد نقطة محددة للتلوث ويسمي بالانكليزية (Diffused Source).
وهناك فرق كبير في معالجة هذين النوعين من التلوث. فالصنف الأول هو الأسهل في المعالجة لأنه معروف بديهيا، ويمكن معه تطويق المكان، وحشد الموارد والآليات والأفراد لمعالجة الملوثات في مكان محدد. وغالبا ما يجري العمل علي تحويل التلوث المنتشر الي تلوث موضعي لكي تتمكن السلطات من معالجته، ولهذا السبب وغيره تكون كلفة هذا العمل باهضة جدا كلما ازدادت الرقعة التي تنتج التلوث.

بغداد مثالا
وعلي سبيل المثال، ولكي يتم التخلص من التلوث (والحديث هنا عن مياه الصرف الصحي وليس الأزبال والنفايات الصلبة)، الذي تسببه مدينة بغداد، والذي يفسد عذوبة نهر دجلة، ويحيلها الي مياه ملوثة بالسموم والدهون والقاذورات، وخاصة في مقطع نهر دجلة الي الجنوب مباشرة من المدينة، يجب تحويل التلوث المنتشرعلي كل مساحة المدينة المترامية الأطراف، الي تلوث موضعي في نقطة واحدة او عدة نقاط، وذلك عن طريق تغطية المدينة كاملة بشبكات المجاري التي تجمع المياه العادمة، ثم تضخها الي محطة، أو محطات لمعالجة مياه المجاري، وذلك بهدف تنقيتها، والتخلص من الملوثات الموجودة فيها، ومن ثم قذفها في مكان محدد.
تمتلك بغداد، مثل كل مدن العالم، محطات كبري لمعالجة مياه المجاري، كمحطتي الرستمية الجنوبية والشمالية علي جانب الرصافة، ومحطة معالجة مياه مجاري الكرخ في مدينة الدورة علي جانب الكرخ. ولكن الحروب المتكررة وعمليات الارهاب أدت الي توقف محطة الكرخ تماما عن العمل منذ العام 2005 وحتي هذه اللحظة، فانها محطة صممت أساسا لتخدم 8،1 مليون نسمة كحد أقصي، في حين يبلغ سكان جانب الكرخ حاليا حوالي 3 مليون نسمة، يولّدون ما يزيد علي 400 ألف متر مكعب من المياه العادمة، وهي فضلات تقذف مباشرة في نهر دجلة دون أية معالجة.
وبالرغم من أن الطاقة الاستيعابية لمحطتي الرستمية الجنوبية والشمالية، تزيد علي 600 ألف متر مكعب في اليوم، وبعد عمليات تأهيل وتجديد مستمرة وصرف مبالغ كبيرة، فقد بلغت طاقتيهما الانتاجية 55% في العام 2008. أما قبل ذلك، وبالخصوص في العامين 2003 و2004، وبسبب استمرار انقطاع التيار الكهربائي، أو عدم تمكن العاملين من الوصول الي أماكن عملهم لأسباب أمنية، فقد كانت مياه الصرف الصحي المتجمعة بالمحطتين،، تقذف في نهر ديالي قبيل التقائها بنهر دجلة مما جعل تلك النقطة أكثر مقاطع النهر تلوثا آنذاك، وأظن أنها لاتزال تسجل أعلي مستوي للتلوث في نهر دجلة من منبعه في الجبال التركية حتي مدينة القرنة الجنوبية عند ثغر شط العرب.
أما محطة الكرخ فقد شهدت سعيا حثيثا لتأهيلها وتوسيعها، حيث أبدت الحكومة اليابانية استعدادها لتمويل المشروع، فأجرت نقاشات عديدة وزيارات موقعية ودراسات بالتعاون مع أمانة بغداد، ولانعرف حجم التقدم الذي حصل مؤخرا.
ومن جهة أخري، فان وزارة البيئة العراقية قامت بمسوحات حددت مئات المواقع من مواقع التلوث في نهر دجلة من مصانع ومستشفيات وغيرها، ونعتقد أن تقارير وزارة البيئة متاحة للاطلاع من قبل المهتمين. كما نشير، وللأمانة، الي أننا اقترحنا قبل أعوام عدة تحويل مياه مجاري بغداد من محطة الكرخ، المتوقفة حاليا، ومحطتي الرستمية، بعيدا عن نهر دجلة الي مبزل المصب العام الذي يمر قريبا من بغداد، وذلك بهدف حماية سكان المدن والقري الواقعة علي نهر دجلة جنوبي بغداد، من التلوث الناجم عن قذف اكثر من مليون متر مكعب في اليوم من مياه المجاري المعالجة أو غير المعالجة في النهر حاليا. والمعلوم أن هذا الرقم سيصل قريبا الي اكثر من مليوني متر مكعب بعد استكمال شبكة المجاري، كخطوط القدس والخنساء في جهة الرصافة، والخط الجنوبي ــ الغربي في جهة الكرخ وغيرها. وقد أخذت أمانة بغداد والجهات المعنية علما بذلك وقد نوقش الأمر في أكثر من محفل دون أن يتبلور الي قرار.
فالمصب العام قناة كبيرة تم انشاؤها لنقل مياه البزل المالحة ولا يوجد عليها أي مأخذ لمياه الشرب، وهي أصلح لنقل مياه المجاري مقارنة بنهر دجلة الذي تجري فيه مياه عذبة ويمكن في نفس الوقت استخدام مياه المصب العام لخلق مسطحات مائية وأراض رطبة شبيهة بهور ابن نجم، أو هور الدلمج الذي هو جزء من منظومة المصب العام في محافظة الديوانية، وذلك للمزيد من الفلترة والتنقية، اضافة الي الفوائد البيئية الأخري، ومنها زيادة رقعة المساحات الخضراء، وايقاف التصحر، وغيرها. ولكن يبدو أن الفكرة مازالت بحاجة الي مزيد من الجهد كي تتحقق، ونحن نؤمن وبدون أدني شك بأنها أكثر نفعا للبلاد، وخاصة لسكان حوض دجلة الي الجنوب من بغداد، واننا علي ثقة كبيرة من أنها ستنفذ عاجلا أم آجلا، مع زيادة الوعي البيئي والصحي، وتعزيز الديمقراطية التي تسمح بأوسع مشاركة في صنع القرارات التي تهم السكان.
ونحن اذ ندعو الي دراسة الأمر جديا، سيما وأن وزارة الموارد المائية تقوم الآن بتجديد أهم دراسة للموارد المائية في العراق، وهي الدراسة الروسية التي أجريت في نهاية السبعينيات، ولكن هذه المرة عن طريق شركة ايطالية معروفة، ومن المؤكد، ان الدراسة ستكشف الحقائق الجديدة لواقع الموارد المائية في العراق من حيث كميتها أو نوعيتها وسبل ادارتها.

البرلمان وتلوث نهر الفرات
يبدو أن ملاحظة تدهور نوعية مياه نهر الفرات في الجنوب، وخاصة في مدينة السماوة، هو الذي حرك القضية للمناقشة في مجلس النواب، اذ لم نسمع أو نقرأ عن دراسة جديدة، أو تقرير شامل صدر مؤخرا عن تصاعد نسب التلوث في نهر الفرات عما كانت عليه قبل عام أو عامين أو عشرة أعوام مثلا، ولم تشر مناقشات مجلس النواب التي بثتها الفضائية العراقية الي وجود مثل هذا التقرير. مع ذلك فان مناقشة المشكلة في البرلمان ــ كما أسلفنا ــ يعد خطوة متقدمة، نرجو أن تليها خطوات أخري لمناقشة القضايا الوطنية الأخري كالأمن الغذائي والتصحر ومكافحة الفقر، أو التغيرات المناخية وتأثيرها علي العراق. وهنا نجد لزاما علينا لفت الانظار، الي القوانين المعمول بها في العراق، والتي قد تكون تمت الاشارة اليها اثناء المناقشات البرلمانية، أو لم تتم، وأقصد هنا نظام صيانة الأنهار رقم 25 لسنة 1967، أو قانون حماية وتحسين البيئة المرقم 3 لسنة 1997، ونظام الحفاظ علي الموارد المائية رقم 2 لسنة 2001، أو غيرها وهي قوانين متقدمة وتفي بالغرض في ظروف العراق، اذا ما جري تطبيقها. أما ارتفاع نسب الملوحة/التلوث في مياه الفرات فان لهذا الأمر أكثر من سبب أهمها باختصار:
1 ــ كثرة السدود المقامة علي الفرات، منها خمسة في تركيا (كيبان، كره كايا، أتاتورك، بيريجيك وكركاميش) واثنتان في سوريا (الطبقة وتشرين) وسد حديثة في العراق، اضافة الي مؤثرات أخري تنبع من طريقة تشغيل المنظومة النهرية العراقية،وخاصة في استخدام مياه بحيرة الثرثار لتعزيز منسوب الفرات، والي حد ما بحيرة الحبانية. فهذه السدود التي تبلغ طاقتها التخزينية أكثر من خمس مرات بقدر الايراد السنوي للفرات، تحجب المياه وتخزنها لفترات طويلة وعلي مساحات كبيرة تزيد من شدة تبخر المياه وبالتالي تؤدي الي زيادة التراكيز الملحية.
2 ــ السيطرة المطلقة علي مياه الفرات بواسطة هذه السدود، ومنع فيضانه الطبيعي، مما أعاق النهر القيام بوظيفته المعتادة قبل انشائها، وهي الغسل المنتظم والسريع للمجري اثناء الفيضان الربيعي المعتاد، أي موسم ذوبان الثلوج، وخاصة في السنين التي ترتفع فيها نسبة الرطبة أو الفيضانات، حيث يعمل التدفق الغزير للمياه علي تخليص النهر من الأملاح والملوثات الأخري.
3 ــ يتعرض نهر الفرات، الذي يبلغ طوله حوالي 3600 كيلومتر، لزيادة نسبة التركيز من الاملاح كلما اتجهنا جنوبا، بسبب مروره في أراض وتكوينات جيولوجية مختلفة. وهذا شيء طبيعي، وهو نوع من التلوث المنتشر حيث يحدث علي طول المجري النهري، وخاصة في مواسم الشحة وانخفاض مناسيب النهر، اذ يتغذي النهر علي المياه الأرضية المحاذية، وهي غالبا ماتكون مالحة، او اكثر ملوحة من مياه النهر، ويكون منسوبها أعلي من منسوب النهر، الذي يجري بالطبع في ألاراضي الأكثر انخفاضا. ومما يزيد الطين بلة، هو أن جريان المياه يصبح بطيئا مع الشحة، خاصة وان أراضي العراق التي يجري فيها نهر الفرات منبسطة حتي المصب بالخليج، مما يتيح وقتا أكثر للتلوث.
4 ــ يؤدي تعزيز ايرادات الفرات بمياه بحيرة الثرثار في مواسم الشحة الي ارتفاع نسبة الملوحة في النهر. فالثرثار بحيرة واسعة الانتشار، وهي تشهد زيادة في تركيز الاملاح نتيجة التبخر المتواصل من سطحها، حيث يبلغ 2250 ملم في السنة. وتزداد ملوحة مياهها كلما قلت ايرادات الثرثار من نهر دجلة، وكلما طالت فترة التخزين في البحيرة. كذلك الأمر عند استخدام خزين بحيرة الحبانية المرتبطة بالفرات أيضا.
5 ــ قذف الفضلات ومياه البزل في نهر الفرات، سواء في سوريا أو في العراق، حيث تبلغ ملوحة الفرات علي الحدود مع سوريا بحدود 1000 الي 1500 مليغرام بالليتر (جزء بالمليون)، ويتضاعف هذ التركيز بالقرب من مدينة الناصرية.
لذلك نعتقد أن مرور الفرات بمنطقة ينابيع ملحية بالقرب من السماوة ليس هو المشكلة، كما لا يمكن للمقترح، الذي تكرر علي لسان عدد من السادة والسيدات النواب، والقاضي بتحويل مجري الفرات، أن يشكل حلاّ للمشكلة. لأن القضية تكمن بشحة المياه وانخفاض منسوب النهر، وكما جاء في النقطة الثالثة اعلاه. ولذلك لكي يتم تجنب تغذية النهر من المياه الجوفية، وهو ما يسمي باللغة الانكليزية (Base flow)، يجب رفع منسوب المياه في النهرلكي يصبح أعلي من منسوب المياه خارج مجراه، وليس تحويل المجري، وهذا الأمر ممكن من الناحية الفنية، ولا مجال للخوض فيه هنا.
أما أكثر أنهار العراق تلوثا فهو شط العرب، وخصوصا بعد قطع المياه الايرانية الواردة اليه من نهر الكارون جنوب البصرة، ونهر الكرخة، اضافة الي قلة الايرادات من نهري دجلة والفرات، وتصاعد المد البحري المالح شمالا. وقد سبق أن تناولنا موضوع المياه في البصرة من خلال مقال نشرته جريدة "الشرق الأوسط" اللندنية بتاريخ 27 شباط 2010 بعنوان "البصرة: سنوات العطش".
سفير العراق لدي منظمات الأمم المتحدة المعنية بالغذاء روما
المصدر: جريدة الزمان